ابن أبي شريف المقدسي

288

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

« من » : بيانية ، أي : الذي هو الإيمان ، ( إذ لم يبق ) بعد حصول الجزم المذكور ( سوى الاستدلال ، ومقصود الاستدلال هو حصول ذلك الجزم ، فإذا حصل ) المكلف ( ما هو المقصود منه ) أي : من الاستدلال فقد ( تم قيامه بالواجب ) . ( ومقتضى هذا التعليل أن لا يكون عاصيا بعدم الاستدلال ) أي : بتركه ؛ ( لأن وجوبه ) أي : الاستدلال ( إنما كان ليحصل ذلك ) الجزم ، ( فإذا حصل سقط هو ) أي : وجوب الاستدلال الذي هو وسيلة ، إذ لا معنى لاستحصال المقصود بالوسيلة بعد حصوله دونها . ( غير أن بعضهم ذكر الإجماع على عصيانه ) بترك الاستدلال ، ( فإن صح ) ما نقله هذا البعض من الإجماع « 1 » ( فبسبب ) أي فعصيانه بسبب ( أن التقليد عرضة ) أي : معرض ( لعروض التردد ) للمقلد بعد جزمه ، وذلك ( بعروض ) أي : بسبب عروض ( شبهة ) له ، ( بخلاف الاستدلال ) المحصل للجزم ( فإن فيه ) أي : في الاستدلال ( حفظه ) أي : حفظ الجزم عن عروض التردد بعده . وقوله : ( ولأن ) عطف على التعليل السابق بقوله : « إذ لم يبق » ، وهو تعليل ثان لقيام المقلد بالواجب من الإيمان ، وهو أن ( الصحابة ) رضي اللّه عنهم ( كانوا يقبلون إيمان عوام الأمصار التي فتحوها من العجم ) بيان لقوله : عوام حال كون إيمانهم صادرا ( تحت السيف ) ولات حين استدلال ، ( أو لموافقة بعضهم بعضا ) بأن يسلم زعيم منهم مثلا فيوافقه غيره . ( وتجويز حملهم إياهم ) أي : حمل الصحابة عوام الأمصار أو حمل البعض السابق بالإيمان البعض الموافق له ( على الاستدلال بعيد في بعض الأحوال ، التي

--> ( 1 ) الإجماع على عصيان تارك الاستدلال جزم به الجويني في كتابه الإرشاد إلى قواطع الأدلة من الاعتقاد ، عندما قال : إن أول واجب يجب على الإنسان لما يبلغ النظر المؤدي إلى العلم بحدوث العالم وغيره ، ولكن البعض قال : إن النظر محل ظن الوقوع في احتمالات موجبة لشكوك وأوهام مخلة بالتصديق الإيماني الذي قد يحصل دفعيا ؛ فهذا القول خرق الإجماع ، وطعن في صحة وقوعه . لكن البعض رد بأن مقصودهم من النظر الموجب للشكوك : النظر غير الصحيح ، بينما الإجماع والاتفاق على النظر الصحيح المبني على الأدلة القطعية . ( انظر : تيسير التحرير لأمير باد شاه ، 4 / 245 ) ، لكن علي القاري أشار إلى أن أبا حنيفة يصحح إيمان المقلد ، وأضاف معه سفيان الثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد ، وقال : ولكنه عاص بترك الاستدلال ، بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك . انظر : شرح الفقه الأكبر ، ص 216 .